• اخر الاخبار

    معلولا


    معلولا


    عندما تُذكر سوريا, لا نجد أنفسنا إلا أمام صرحٍ حضاري كبير,  جذور قد ضُربت في أعماق التاريخ, هذه البلاد التي لطالما كانت الجسر الذي يصل بين حضارات العالم، ومدنها ما زالت الشاهد الوحيد على عراقتها, فمعلولا تلك المدينة الجاثية على أعتاب الحضارة ستبقى الوحيدة الناطقة باللغة الآرامية.
    تبعد معلولا 55 كم عن مدينة دمشق و30 كم عن صيدنايا, وتقع في النهاية الجنوبية لسلسلة جبال لبنان الشرقية, وهي قرية من العهد الآرامي تعود إلى القرن 10 ق.م , ومعنى اسم معلولا في المعجم السرياني معلا وتعني مدخل, ومعليا تعني مرتفع أو رفيع, كان اسمها قديماً(بنكرابوليس) وفي العصر الهلنستي كانت تسمى ( سلوقية القلمون).
    سكانها الحاليون مسلمون ومسيحيون ( روم أرثوذوكس) و (روم كاثوليك), بنيت بيوتها على سفح الجبل, بعض غرفها كانت كهوفاً حُفرت قديماً في الصخر, وفيها فجَّان: غربي عند ديرتقلا, وشرقي عند دير سركيس.
     ولجمال معلولا وغرابة تشكيلها العمراني فقد أصبحت محجَّاً للفنانيين، الذين يقصدونها من أجل أن يستقوا منها رسوماً رائعة, كما تقام فيها احتفالات عيد الصليب في 14 أيلول من كل عام، حيث يأتيها الناس لإقامة الاحتفالات.
     وعيد الصليب هو تخليد لذكرى الإمبراطور قسطنطين حينما أرسل والدته القديسة هيلانة إلى القدس لتفتش عن الصليب الذي صلب عليه السيد المسيح, وحينما وجدته في الجليل أشعلت النيران فوق قمم الجبال لإعلام ابنها بنجاح مسعاها, ومنذ ذلك الحين أصبح إشعال النيران تقليداً لذلك العيد, وهناك عيد القديسة هيلانة في 24 أيلول, وعيد القديسين سيرجيوس وباخوس في 7 تشرين الأول.
    سكن إنسان ما قبل التاريخ هذه المنطقة منذ 50-60 ألف سنة, ووجد الكثير من أدواته في منطقة معلولا والتي تعود إلى العصر الحجري القديم والحديث.
    في العهد الروماني كانت بلدة معلولا مبنية فوق الجبل الذي فوق هضبتي القلمون الثانية والثالثة, وكان الناس يسكنون المغاور التي كانوا ينحتونها في الصخر.

    وفي العهد البيزنطي سكن الأهالي في فتحة الحج قرب المياه, وبنوا بيوتهم فوق سفح منحدر وأحاطوها بسور, ولكن البلدة بدأت تتوسع واستعملت المغاور كمستودعات وإسطبلات للمواشي.
    في العهد العثماني لجأ إلى معلولا آمر بعلبك محمد حرفوش, وأخوه عساف عام 1850م عندما تمردا على السلطة العثمانية, وفي عهد الانتداب الفرنسي لجأ الثائرون إلى معلولا عند مقاومتهم للاستعمار الفرنسي، مما يدل على حصانة موقعها.  
    الآن معلولا واحدة من الأماكن الأثرية الهامة التي يقصدها السياح والمواطنون لزيارتها والتمتع بجمالها, بسبب مزاراتها التي أقيمت منذ بدأ المسيحية إضافة إلى أن سكانها ما زالوا يتكلمون الآرامية لغة السيد المسيح.

    قصص ترويها المغاور:
    في واحدة من المغاور نقش اسم ( سحيم بن ديودورس بن فيليبيون) ويعود تاريخها إلى 184ق.م وسحيم اسم أحد الأمراء السلوقيين, وفي مغارة أخرى واسعة يوجد اسم السيد المسيح وتمجيد انتصاره على الوثنية بأحرف يونانية حمراء اللون كبيرة, وفيها باب يقود إلى فرفة داخلية تشبه المذبح في الكنائس اليونانية ذات الحنيات الثلاث.

    ويوجد قرب دير مار سركيس كهف جنائزي واسع تزينه أعمال فنية منحوتة على السقف والجدران : منها نحت يمثل السيدة العذراء والطفل يسوع المسيح, ونحت روماني يمثل نسراً باسطاً جناحيه وكتابة يونانية تعود لعام 175ق.م وهناك كهف قديم يعود الى العصر الهلنستي أقام فيه الأمير فيليب وزوجته معبداً وثنياً عام 175 ق.م.
    هناك أساطير حول ما يدعى ( المشنقة) وإلى جانبها صخرة ( المحكمة) في محلة شارونايا, وكان رجال القضاء يقفون عليها لإعلان حكم الإعدام, وكان الملك يقف على رأس الصخرة المقابلة للتصديق على الحكم, وهناك ما يماثلها في الفج من الناحية الشرقية, فيها مُغر تعود إلى خمسة آلاف عام, كان الملك بيلوس ومن جاء قبله وبعده يسأل كل شاب على وشك الزواج إن كان حفر بيتاً في الصخر ليسمح له الزواج إن فعل, ويمنعه إن لم يفعل ونادراً ما لا يكون في البيت كهفاً.
    كانت المدافن المحفورة في الأرض لعامة الناس, أما المنقورة في حائط الجيل الصخري ولها أقواس تزينية فهي للنخبة, وفيها نقوش تمثل طقوس الديانات الوثنية القديمة, ربما كانت هذه القبور تغطى ببلاطات حجرية.
    ضمت معلولا عدداً كبيراً من الكنائس والأديرة والمزارات والمصليّات. ومعظمها يعود إلى القرون الميلادية الأولى، ولايزال عدد من هذه المنشآت الدينية قائماً في حين تعرض بعضها إلى الخراب بمرور الزمان، وقد أحصيت فيها اثنتا عشر كنيسة من أهمها كنيسة القديس ليونتيوس، التي وجدت فيها فسيفساء تعود بتاريخها إلى القرن الرابع الميلادي، وكنيسة القديس الياس وكنيسة القديس جورج. وهذه الكنائس قائمة اليوم في مواضع كنائس بيزنطية قديمة، ومن الكنائس التي بقيت آثارها كنائس القديس سابا والقديس توما والقديسة بربارا
    على يمين مدخل الشق الجبلي يوجد الدير السفلي المكرس للقديسة تقلا التي يوجد ضريحها في كهف فوق الدير, ويروى عن القديسة تقلا أنها كانت ابنة أحد الأمراء من مدينة سلوقية وأنها سمعت في مدينة قونية، في آسيا الصغرى، وعظاً من القديس بولس وعاشت في كهوف جبال القلمون، وتنسب للقديسة تقلا خوارق وكرامات اقترنت بذكرها، وتعتبر من أولى الشهيدات في تاريخ الكنيسة. ويوجد على المسطح الذي يعلو الشطر الأيسر من البلدة دير مار تقلا الذي شيد في القرن الرابع الميلادي على بقايا معبد قديم يعود إلى العصر الروماني، ويمكن مشاهدة بعض هذه البقايا في جزء من الدير. والدير مسمى على اسم أحد الفرسان السوريين الذين اعتنقوا المسيحية وقتلوا في عهد ماكسيمانيوس سنة 297م.
    أما كنيسة التوبة فهي كنيسة كبيرة كانت تقع في ساحة معلولا وكان الحجاج يزورونها وهم في طرقهم إلى الحج, وكنيسة مار الياس للروم الأرثوذوكس اشتهرت في القرن الرابع الميلادي اكتشف عام 1925م أعمدة وفسيفساء أشهرها لوحة ( تابوت العهد) وهي رسم على التابوت الذي كان على طرفيه حارسان وحوله غزلان, وكنيسة القديسة بربارة وكانت معبداً وثنياً واشتهرت من بين الكنائس.
     أما الفج فهو ممر صخري عمقه عشرات الأمتار، طوله 200 م وفيه قناة قديمة لجر المياه إلى البلدة نقرت في الصخر, ومزار مار سابا كان معبداً وثنياً وتحول إلى مزار, وكان يحوي على أعمدة رومانية لها تيجان وقواعد مزينة.
    أهالي معلولا:
    يتميز سكان معلولا وبعض القرى المحيطة بالمدينة بإتقان اللغة الآرامية اللغة التي تحدث بها السيد المسيح ويتكلمون بها حتى الآن بالإضافة إلى اللغة العربية، ويتقنون الحديث عن تاريخ منطقتهم وأوابدها التاريخية والدينية، فهذه القصص تتناقلها الأجيال لتبقى محفوظة في الصدور.
    يعمل غالبية السكان بالتجارة والزراعة والبعض يعمل في مجال السياحة التي تزدهر في فصلي الربيع والصيف، كما يقدسون العلم والثقافة ويهتمون بتحصيلهما.
    يستقبل أهالي معلولا ضيوفهم بحفاوة وترحيب لما يعرف عنهم من طيب المعشر وحسن المعاملة، يدمجون في حياتهم حداثة الفكر وعراقته ليكونوا جزءاً رائعاً من الفسيفساء السورية العريقة.         

    بقلم : كريم سعد
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك
    Item Reviewed: معلولا Rating: 5 Reviewed By: 0
    إلى الأعلى