الموارنة في سورية
تاريخ الكنيسة المارونية
الموارنة هم آراميون أصلاً ولغة، أي سريان "سوريون, وهم من الشعب السوري الذي أقام في داخل سورية, وبذلك هم سريانيو اللسان, وهم ثقافة ودماً سوريون كغيرهم، وأدبهم الديني والاجتماعي هو بعض الأدب السوري السرياني عامة الذي له ازدهار عظيم في ما بين النهرين: الفرات، ودجلة، كما في أورفة وغيرها.
والروم الموارنة طائفة من المسيحيين الكاثوليكيين الشرقيين يعرف من تواريخهم أنهم ينتسبون إلى الناسك البار القديس مارون القورسي النشأة, اعتزل هذا الفاضل الدنيا في أواخر القرن الرابع ولجأ إلى صومعة في قمة جبل غير بعيد عن أنطاكية فما لبث عُرْف فضائله أن فاح في تلك الأنحاء فجذب إليه جماعات قصدوه ليلتمسوا منه بركته وصلواته ويسترشدوا بتعاليمه ويقتدوا بسيرته.
وقد زهد قوم منهم بالدنيا واختاروا العزلة والتفرغ لخدمة الله في المغاور وأعالي الجبال ليقيموا بعيدين عن ضوضاء العالم, على أن أريج حياتهم الطاهرة لم يمكن إخفاؤه فتقاطر المجاورون حول تلك المناسك وتألفت منهم طائفة عُرفت باسم الطائفة المارونية, وكان أهم المراكز التي التفوا حولها دير القديس مارون المبني على ضفاف نهر العاصي في نواحي أفاميا.
ولما توافر عددهم مسّت الحاجة إلى تنظيم أحوالهم الروحية, فأقيم لهم بطريرك هو البار يوحنا مارون وبه تبتدئ سلسلة البطاركة الموارنة, وعاش هذا البطريرك الأول في أواخر القرن السابع في حين كان للموارنة أمراء يديرون شؤونهم الزمنية, ثم أخذ الموارنة يهاجرون إلى الأقطار المجاورة، فنزل قوم منهم في جبال عكار وعمّروا فيها القرى, وسارت فئة نحو الجنوب إلى لبنان الشمالي فما أن قويت شوكتهم فيه حتى بلغ عدد رجالهم الصالحين للقتال أربعين ألفاً. وقصد فريق منهم سوريا الداخلية فاستوطن جوار دمشق واستغل الأرض وبنى الدساكر والمرابط، وفريق أمَّ القدس وآخر نزح إلى قبرص في أيام الصليبيين وبعض الأسر سكنت حلب في أواسط القرن الخامس عشر وهبط بعضهم مصر وقبرص ومالطة، على أن الأغلب فضلوا الإقامة في جبال لبنان فاعتصموا بها ونموا وكثروا رغم ما أصابهم من النكبات في أوقات مختلفة, ولما ضاق بهم جبلهم رحل قسم منهم إلى بلاد المهجر كأميركا وإفريقيا وأستراليا حيث ألفوا جاليات لها مقامها المعتبر في عالم التجارة والصناعة والأدب كسائر إخوانهم اللبنانيين والسوريين.
و يذكر المؤرخ البطريرك الماروني اسطفان الدويهي (1670,1704), أن يوحنا مارون, قاد هجرة أتباعه من جبال أمانوس شمال سوريا إلى جبل لبنان عام 685 بناء على ما اقتضت معاهدة عقدت بين البيزنطيين والأمويين وقتذاك، وينسبه الدويهي إلى المردة أعداء الأمويين, ويرجعه إلى سلالة أمراء أوربية من جهة والدته.
أما في الدينيات فيتفق الموارنة مع الكاثوليكيين بمعتقدهم وشرائعهم الدينية والأدبية وهم مثلهم خاضعون لسلطة بابا روما, ولهم وللسريان لغة طقسية واحدة هي السريانية لكنهم يختلفون عن سائر الطوائف بترتيباتهم ونظام إدارتهم الروحي المبنية كلها على دستورهم المجمع اللبناني الذي عقد سنة (1736) وفي عاداتهم المشروعة, ويرأس الطائفة بطريرك يعرف ببطريرك أنطاكية وسائر المشرق، ويخضع لإدارته مطارنة يقيم بعضهم نواباً له وبعضهم على أبرشيات معينة مستقلة بعضها عن بعض, ويعهد إليهم في تدبير هذه الأبرشيات الروحي والزمني وإدارة أوقافها مباشرةً أو بواسطة وكلاء يسمونهم لذلك ويراقبون أعمالهم, وفي الأبرشيات كهنة يعنون بخدمة الرعايا، وفي الطائفة جمعيات رهبانية يقيم أعضاؤها في أديارهم ومدارسهم ويتفرغون لخدمة الله والنفوس.
وهناك تواريخ في الكنسية المارونية لا تنسى: عام 1180 اتحدت الكنسية المارونية مع الكرسي البابوي, وفي عام 1456 منح البطريرك الماروني لقب بطريرك أنطاكيا من قبل البابا, وفي عام 1510 لقب البابا ليون العاشر الكنيسة المارونية بالسوسنة بين الشوك, مشيراً إلى الآية: 2:2 من نشيد الإنشاد, أي الكنسية الحقيقية بين شوك الضلال في الشرق. وفي عام 1584 أسس البابا غريغوريوس 13 مدرسة لاهوتية للموارنة في روما التي خرّجت نخبة من أفذاذ العلماء والبطاركة والمطارنة الموارنة السوريين واللبنانيين, كالسماعنة والقلاعي والدويهي والبطريرك جرجس عميرة, الذي ألف أول غراماطيق (مقياس) سرياني ووضع قواعده باللغة اللاتينية ليسهل على المستشرقين دراسة هذه اللغة, وغيرهم.
ولقد كرّس مؤتمر لويزه في لبنان عام 1736 الارتباط النهائي بين روما والكنيسة المارونية, التي تؤدي طقوسها السريانية باللغة العربية. والكلام الجوهري بالسريانية.
يوجد للبطرياركية المارونية مطرانيات في الشرق هي: دمشق, حلب, طرطوس من سوريا, بيروت, بعلبك, البترون, صور, صيدا, بعلبك, وقبرص والقاهرة, وهناك أبرشيات مستقلة في المهاجر وخاصة الأمريكيتين وأفريقيا.
يبلغ عدد الموارنة في العالم ستة ملايين نسمة، حوالي 920000 منهم في لبنان، ولا توجد إحصاءات دقيقة عن أعداد الموارنة في سوريا اليوم.
أما عن الاغتراب المارونيّ، فهو يتركز أوروبياً في فرنسا وفي الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك، كذلك يوجد عدد كبير من الموارنة في أستراليا ودول الخليج العربي وإفريقيا الغربية، وبناءً عليه تعتبر الكنيسة المارونيّة، أكبر كنيسة مشرقيّة داخل النطاق الأنطاكي، وتحل ثانياً بعد الكنيسة القبطية على مستوى الشرق الأوسط. أيضًا تعتبر الكنيسة المارونيّة أكبر هذه الطوائف من حيث التواصل الجغرافي لأماكن الانتشار.
توافد الموارنة إلى حلب:
بدؤوا بالتوافد إلى حلب قادمين من قرى لبنان الشمالي منذ أواخر القرن الخامس عشر ولا سيما مع الغزو العثماني وتزايدوا في القرن السابع عشر حتى بلغ عددهم ما هو عليه اليوم ما بين ثلاثة وأربعة آلاف، جاء في مذكرة رفعها الأب ديشان إلى السفير الفرنسي في اسطنبول ليدعم طلب رخصة لتوسيع كنيسة الموارنة في حلب عام 1686.
وفي أواسط القرن الثامن عشر كان عدد الموارنة بحلب يربو بقليل على الثلاثة آلاف نسمة. ففي سنة 1740 قام القس الماروني انطون صقر بإحصاء دقيق لأبناء الطائفة المارونية بحلب, فأحصى 3033 نفراً منهم 1501 ذكوراً و1532 إناثاً وعام 1791 ذكر ديفيزين القنصل البريطاني في قبرص أن عدد المسيحيين في حلب 20000, وهم موزّعون كما يلي: 9200 روم كاثوليك، 200 روم أرثوذكس، 4800 أرمن، 3000 سريان، 2800 موارنة.
السنة الطقسية والأعياد
تتألف السنة الطقسية المارونية من سبعة أزمنة مركزة على حياة يسوع المسيح وتعاليمه، تبدأ السنة في الأحد الأول من تشرين الثاني المعروف باسم أحد تجديد البيعة وتقديسها وتنتهي في الأحد الأخير من تشرين الأول والمعروف باسم أحد يسوع الملك، أما عن أول الأزمنة فهو زمن الميلاد ومدته سبعة أسابيع يليه زمن الغطاس أو الدنح وفيه تقام ثلاث أسابيع من التذكارات للكهنة والمؤمنين والموتى، قبل أن يبدأ زمن الصوم الكبير لمدة أربعين يومًا أو ستة آحاد يذكر خلالها الموارنة الأعاجيب التي اجترحها السيد المسيح في حياته الأرضية ويختم الصوم بأسبوع الآلام، وهو زمن مستقل ومنفصل طقسياً، لتذكار آلام المسيح وصلبه، وفق المعتقد المسيحي، يليه سبعة أسابيع تعرف باسم زمن القيامة تفتتح بعيد الفصح المجيد لاستذكار قيامة السيد المسيح من الموت وفق المعتقد المسيحي والتعاليم والظهورات التي لحقت به، وبعد خمسين يوماً من القيامة يبدأ زمن العنصرة، أو حلول الروح القدس على التلاميذ والكنيسة وفق المعتقد المسيحي، ويمتد زمن العنصرة ست عشر أسبوعاً يستذكر الموارنة خلاله جميع التعاليم والأمثال الخلاصية التي وضعها السيد المسيح خلال حياته الأرضية، ويعتبر زمن الصليب آخر تلك الأزمنة حيث تقرأ وعلى مدى سبعة أسابيع تعاليم المسيح عن اليوم الأخير والدينونة وماذا ينبغي على المرء أن يعمل حتى يرث الحياة الأبدية.
أهم الأعياد المارونية فهي كثيرة ومنها:
6 ك2: عيد الدنح, الظهور الإلهي.
9 شباط: عيد مار مارون.
23 نيسان: عيد مار جرجس.
10 حزيران: عيد القديسة رفقا.
24 حزيران: عيد مار يوحنا المعمدان.
2 تموز: عيد مار شربل.
8 أيلول: عيد ميلاد العذراء.
20 ك1: عيد القديس أغناطيوس الأنطاكي.
بعض طقوس الموارنة:
في الخطبة: يشترط في صحتها أن يكون الخطيبان عاقلين مميزين حرَّين في إجرائها، على أن تعقد للشرقيين وفقاً لقوانين نظام الزواج للكنيسة الشرقية، وأن لا يكون بين الخاطبين موانع زواج دائمة، إلا إذا فسح منها قبل الخطبة، أما الموانع غير الدائمة والمتعلق زوالها على مرور الزمن أو إرادة الخطيبين فتصح الخطبة معها في الطوائف الشرقية الكاثوليكية كافة.
في الزواج: يخضع الزواج في أحكام عقده وموجباته وصحته وبطلانه وفسخه وانحلال روابطه لنظام سر الزواج للكنيسة الشرقية الصادر في 22 شباط سنة 1949 بإرادة رسولية، وتتشابه طقوس الزواج مع بقية الطوائف المسيحية في مباركة الزواج في الكنسية وبحضور الأهل والأقارب.
في المهر: ويسمى أحياناً حق الرقبة والنقد والصداق, وهو ما يقدمه الرجل للمرأة لقاء الزواج، المهر ملك للزوجة ولا تجبر على عمل الجهاز منه، والجهاز ملك للمرأة في كل الأحوال، فلا حق للرجل في شيء منه، إنما له حق الانتفاع به بإذنها ورضاها.
شخصيات مارونية
- تيوفيل بن توما من شمال سوريا، ماروني، كان يعمل منجِّماً في قصر الخليفة العباسي المهدي 775-785م كما قام بترجمة إلياذة هوميروس.
- جرمانوس فرحات: من حلب 1670 - 1733قام بتأليف عدد من الكتب هي:
بحث المطالب, إحكام باب الإعراب, المثلثات الدرية ب, بلوغ الأرب
- الأرشمندريت أغناطيوس ديك.
- المطران جورج أبي صابر وهو أول مطران للموارنة في طرطوس في سبعينيات القرن العشرين.
بقلم:شادي أبو حلاوة
