• اخر الاخبار

    سلمية

    سلمية


    في سواد العيون, ونبض القلوب, في أحلام المسافر وشوق الطيور المهاجرة, تغفو تلك الأم الحنون" سلمية" التي قدمت من نور عينيها ليبصر أبناؤها وروت من مداد دمها كل ظامئ, وعلَّمت العالم كيف يُصاغ الحرف كلمة والكلمة فلسفة, وكيف يحال الحجر المنسي حواضراً ومدناً وكيف و كيف... منسية هي ورباط الأم المقدس يستجدِ من يوقظ العيون النائمة, ويصوغ من حروف اسمها تاريخاً يستنير به أبناؤها في غدهم.
     تقع مدينة سلمية إلى الجنوب الشرقي من مدينة حماه بمسافة (33)كم تقريباً, وشمال شرقي حمص بمسافة (45كم) وتشكل المدن الثلاث مثلث متساوي الساقين قاعدته حماه- سلمية, أما من ناحية تسمية المدينة فهو موضوع نقاش بين الباحثين, تعددت الآراء حوله فالرأي الأول كما يقول ياقوت الحموي أن سبب التسمية هي أن مئة نفس من المؤتفكة – وهي قبيلة رحلت إلى بلاد الشام في أعقاب الفتح الإسلامي- نجوا مما حلَّ بديارهم فنزحوا إلى موقع سلمية وعمروها وسكنوها, والرأي الثاني أن الإسكندر المقدوني أعجب بسلمية ومياهها ومناخها فسماها تيمناً بمدينة سلاميس على بحر إيجة, والرأي الثالث أن اسمها مشتق من كلمة ( سيل مياه) نظراً لكثرة السيول التي تنحدر إليها من جبل البلعاس في فصل الشتاء, ولكن الأهم من كل ذلك أن سلمية أياً كان أصل تسميتها فهي عايشت أغلب العصور التي مرت على المنطقة العربية بدءاً بالقديمة ومروراً بالوسطى وصولاً للحديثة.
     ازدهرت سلمية مع مجيء الامبراطور الروماني أغسطس الذي عقد مع ملك فارس معاهدة سلام, وهذا ما سمح بتنشيط الحركة التجارية فيها نتيجة موقعها على خط البادية والحضر, وسرعان ما استطاعت تدمر أن تبسط سيطرتها على سلمية والرصافة وغيرها, فعاشت سلمية بعض فترات الازدهار في ظل دولة تدمر وأصبحت عامرة بالسكان,  ومع ظهور المسيحية وقدوم الامبراطور قسطنطين الكبير الذي أصدر سنة 324م قرارين ينصان على إنهاء اضطهاد المسيحين, ازدهرت المسيحية وبقي الشرق مبعث الإبداع المسيحي, 
    وأصبحت سلمية أبرشية كبرى تضم أكثر من 40 كنيسة كبيرة عدا عن الأديرة الكبيرة المنتشرة على رؤوس الجبال والتلال, وكانت سلمية من المدن التي مرَّ فيها كسرى أبرويز حيث قام بتدمير الكنائس والأديرة وبقيت تحت الحكم الفارسي حتى اندحارهم أمام هرقل 627م, أما في العصر الإسلامي فيظهر من كلام الجغرافيين العرب أن سلمية ظلت خراباً أو شبه خراب خلال القرن الأول الهجري, إلى أن جاءها في القرن الثاني الهجري عبد الله بن صالح العباسي الهاشمي وعمرها, والكثير من أقارب عبد الله من العباسيين قد استطاب لهم العيش فيها فسكنوها في القرنين الثاني والثالث الهجريين, وفي مطلع القرن الثالث الهجري كان بيت الإمام الإسماعيلي عبد الله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق قد تحول من منطقة جبال الديلم إلى السكن في بلاد الشام واتخذ من بلدة سلمية مقراً له, ومن خلالها بدأ بتوجيه الدعوة الاسماعيلية وإرسال الدعاة إلى البلدان الأخرى ( كاليمامة والبحرين والسند ...) وعانت سلمية من الحملات التفتيشية التي كانت تقوم بها السلطات العباسية بحثاً عن الأئمة الاسماعيليين, وهنا لابد من ذكر أن أول خليفة فاطمي انطلق من سلمية وهو الإمام عبد الله محمد المهدي الذي خرج من سلمية قاصداً المغرب العربي في أواخر سنة 289هـ/902م بعد أن كانت بذور الدعوة هناك قد نشطت بفعل نشاط الدعاة وفي مقدمتهم أبو عبد الله الشيعي, وفي أواخر القرن الرابع الهجري أصبحت سلمية تتبع الفاطميين فأمر الخليفة العزيز بالله الفاطمي بتشييد مدفن جديه ( تقي الدين محمد ورضي الدين عبد الله) ويعرف اليوم بضريح الإمام اسماعيل, وفي سنة 507هـ/1114م عظم أمر الصليبيين وبرز الزنكيون الذين احتلوا الكثير من المدن الشامية وصارت سلمية من أملاكهم وبدأ نور الدين زنكي يهتم بسلمية كخط دفاع ثاني وبدأ بتحصينها وترميم سورها القديم وبناء أبراج دفاعية وتعميقالخنادق المائية المحيطة بالسور, ولكن زلزالاً قوياً هدم السور وجزءاً من قلعة سلمية وتهدمت مآذن المسجد ذي المحاريب السبعة سنة 552هـ/1157,وعمالخراب والفوضى سلمية طيلة العصرين الأيوبي والمملوكي باستثناء فترات قصيرة نعمت فيها ببعض الاستقرار, وبقيت سلمية على هذا الحال إلى أن جاء التتار من جديد بقيادة تيمورلنك ودخل سلمية وأعمل السيف في رقاب أهلها وطالت يد التخريب كل شيء فيها, ولم تسلم قلعة شميميس التي كانت حامية عسكرية صغيرة من الدمار والخراب والقتل وكان ذلك سنة 803هـ/1400م.
    وبانتقالنا إلى العصر العثماني نجد أن البناء الأخير للمدينة تم بفرمان من السلطان العثماني عبد المجيد، المتضمن قرار العفو عن الأمير اسماعيل المحكوم بالإعدام، ليخرج الأخير المتحصن في قلعة الخوابي في جبال الساحل السوري باصطحاب اتباعه والرحيل لبناء المدينة بين عامي 1844 -1855، وكانت السلطة العثمانية تهدف من هذا القرار لبناء مدينة تكون بمثابة خط دفاع عن حواضر حمص وحماه ومعرة النعمان من غارات البدو وغزوهم، فتحققت الغاية فعلاً من بناء المدينة في توفير الأمان والحماية للحواضر، فالسلامنة أثبتوا شجاعتهم في المعارك فلقبهم خصومهم البدو (رعيان العوجة)، ثم ما لبثوا أن أقاموا معهم علاقات ودٍّ رسخت تلك الحالة من الاستقرار وأنهت حالة الغزو.
    عادات وتقاليد:
    نتيجة التحرر والانفتاح الذي يتميز به المجتمع السلموني فقد تفرد ببعض عاداته وتقاليده، فالخطبة مثلاً لا تتم إلا بعد أن يجلس الشاب والفتاة في بيت أهل الفتاة ويتحاورا ثم يُتخذ القرار بالزواج من قبلهما، ويكون للأهل إبداء الرأي والمشورة فقط.
    وبالنسبة للمآتم فتجري العادة أن يشارك الجميع في تشييع الميت ثم تقام خيمة للعزاء لمدة ثلاثة أيام يتكفل خلالها جيران أهل الميت بإعداد الطعام للمتوفى ابنهم ولضيوفهم جميعاً، وفي اليوم الأربعين للوفاة يقيم أهل المتوفي وليمةً يشارك فيها الأقارب والجيران والأصحاب دون الحاجة لدعوة
    ومن الأكلات التي تتميز بها المدينة المعجوقة وهي تشبه اللحم بعجين، والهريسة: وهي عبارة عن قمح مدقوق ومقشور يطبخ غالباً مع لحم الدجاج، واللوف وهو نبات قارص يحتاج لساعات طويلة من الطبخ.
    وأجمل فلكلور شعبي سلموني بامتياز هو العتابا السلمونية, والعتابا ضرب غنائي قديم اشتهر في أقطار بلاد الشام الأربعة, ولكل منطقة ببلاد الشام لهجتها وصورها الشعرية, إلا أن السلامنة انفردوا بصور إبداعية مستقاة من المحيط والموروث الثقافي ونظموها باللهجة البدوية نطقاً لأنه أقرب إلى فهمها ضمن المحيط المجاور التي تعتبر سلمية مفتاح الحاضرة والبادية معاً, ومن أشهر ما حفظته الذاكرة الشعبية من الأسماء التي برعت في هذا اللون من الغناء حسن شتيان وعلي القطريب ومحمد داؤد وصادق حديد ... والقائمة تطول.

    وهناك أنواع متعددة من الغناء السلموني منها " المعنَّى" , و" الهجيني" و " الشلة" و " الطقطوقة" وغيرها..... أما الآلات الموسيقية فكانت الربابة تتربع على عرش هذه الآلات يليها المجوز ثم جاءت الشبابة لتكمل دور المجوز وهي آلة محورة عن آلة الناي لكن تتميز بقطعة من التوتياء توضع في الفم بين الضاحك واللسان وصوتها حنون. كانت هذه إسقاطات على بعض الجوانب التي تميز بها المجتمع السلموني.
    النشاط السكاني:
    إن لامتداد المدينة وقراها على مساحات شاسعة جعل من الزراعة النشاط الأول الذي يمارسه أهلها، وهم يعتمدون في الغالب على الزراعات البعلية نتيجة قلة المياه فيها ويعد الشعير والكمون والجلبانة والبصل والخضروات هي المحاصيل الرئيسة، وفي الآونة الأخيرة انتشرت زراعة أشجار الزيتون والكرمة على نطاق واسع.
    كما أن موقع المدينة الملاصق للبادية والمتداخل بالريف جعل منها مركزاً  تجارياً يستقطب أهل القرى من حضر وبدو لتسويق منتجاتهم وشراء حاجياتهم من أسواقها، ليمتهن قسم آخر التجارة، إضافة للمهن الكثيرة كالحدادة والنجارة، أما الصناعة فتقتصر على بعض الصناعات البسيطة، كمعامل المواد الغذائية والأعلاف.
    مدينة الفكر... أعلام ومعالم:
     الإنسان في سلمية ( رجل أو امرأة) يتميز بسمو ثقافته وسعة فكره, وإن الثقافة والفكر في سلمية ينبعان من قناعات موروثة تحضُّ على العلم, وتعتبر البحث عن المعرفة هدفاً سامياً, ولذلك قدمت سلمية عدداً كبيراً من المبدعين الذين تميزوا بمجالاتٍ مختلفة فعلى صعيد الشعر ظهر فايز خضور وحسن القطريب وسليمان عواد ومحمد الماغوط, أما الراحل مصطفى غالب فقد كان أشهر من كتب في التاريخ,  وأحمد سيفو الذي برع في النحت وأيضا نزار علوش الذي قدم منحوتات تثير الإعجاب, وهذا على سبيل المثال لا الحصر...

     أما الأوابد الأثرية  في سلمية فأهمها وأشهرها قلعة شميميس التي تجثم على جبل منفرد يقع غربي المدينة ويبعد عنها حوالي 4كم وتعود إلى العصر الهلنستي, وحمام سلمية الأثري الذي يعود بناؤه إلى العصر الروماني, وجامع الإمام اسماعيل، والأقنية الرومانية التي كان عددها 360 قناة وأهمها قناة العاشق وقلعة سلمية التي تتوسط المدينة ولم يبق منها سوى سورها الجنوبي.


    بقلم:كريم سعد
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: سلمية Rating: 5 Reviewed By: 0
    إلى الأعلى