عبد السلام العجيلي
خير بدوي عرفته المدينة
وخير مدني عرفته الصحراء
هكذا وصفه نزار قباني، عبد السلام العجيلي طبيب الفقراء المتمسك بأصوله البدوية، الرحالة الذي جال العالم سفير أدبٍ وفكرِ لبلده حاملاً معه وفاءه للرقة مسقط رأسه، الكاتب الذي جسَّد هموم البسطاء دون أن تشغله الصنعة في وصف قصور الساسة ومناسباتهم.
ولد الطبيب والنائب والوزير والمجاهد والكاتب والشاعر عبد السلام العجيلي في بادية الرقة سنة 1918، من أسرة عربية بدوية، في طفولته استقر والده في بلدة الرقة معتزلاً البداوة دون أهله ليعمل ويشرف على مطحنته التي أقامها هناك، لكن ذلك الفتى( عبد السلام) ظل متعلقاً بالصحراء ومعيشتها فكان يستغل أيام الخميس والجمع للذهاب إلى بيوت أعمامه ينام في بيوت الشعر ويرعى الأغنام، مما أثَّر في شخصيته وتنشئته.
بعدها انتقل إلى حلب ليدرس المرحلة الثانوية على مرحلتين بسبب مرضٍ أصابه فأجبره على العودة إلى الرقة لأربعة أعوام صقل خلالها ثقافته بمطالعة الكثير من الكتب ثم يعود ثانية إلى حلب ليتم دراسته حاملاً معه مخزونا أدبياً وشعرياً جعله متفوقاً على زملائه ومعلميه ويتخرج من مدرسة المأمون عام 1938، ثم إلى دمشق ليتخرج من جامعتها طبيباً سنة 1945.
في عام 1947 انتخب نائباً في البرلمان ممثلا للرقة، وبعدها بعام تطوع طبيباً في جيش الإنقاذ الذي شكل للجهاد في فلسطين وطرد اليهود ومنع قرار التقسيم عام 1948، فكانت رغبته الاستشهادية دافعه للتطوع لتنفيذ عملية قطع الأسلاك الشائكة التي تحيط بالقلعة التي ينوون مباغتتها، لولا أن منعه أديب الشيشكلي بحجة أنه لم يكن مدرباً على الأعمال القتالية والتسلل، ليعود بعدها فاقداً إحدى عينيه حاملاً خيبة الهزيمة التي ظهر أثرها جلياً في الكثير من كتاباته اللاحقة.
بعد الهزيمة ترك السياسة وعاد لخدمة الناس في عيادته في مدينته (الرقة)، فتفرغ لمعالجة الناس ولتفريغ إبداعه الأدبي في مؤلفات أثَّرت السياسة على بعضها وانشغل البعض الآخر في الحديث عن النكبة، والجزء الأهم تحدث فيه عن مجتمعه البسيط وخاصة في مقالات جمعت فيما بعد.
في عام 1962 كلف بشغل وزارة الثقافة التي ضمت إليها وزارة الإعلام والخارجية.
لم يترك بعد أن أنهى عمله الوزاري عيادته، بل استمر في معالجة الناس دون أجرٍ معتبراً أن ذلك واجبه الإنساني والأخلاقي، فكان احتكاكه بمرضاه ملهماً له في كتابة الكثير من القصص والمقالات، عاكساً صورة صادقة عن مجتمع بسيط تسوده عادات وتقاليد العشيرة البدوية.
عرف العجيلي بحبه للأسفار، فقد جال خلال سنين حياته معظم دول أوروبا وأمريكا، تعرف على ثقافات الشعوب وعاداتهم فكتب الكثير في أدب الرحلات الذي قل نظيره في البراعة والروعة.
تُرجمت العديد من كتاباته في القصة والشعر والمقالة الى اللغات العالمية ( الانكليزية – الفرنسية – الإيطالية – الألمانية)، ليخرج من إطار الشهرة العربية إلى العالمية.
نال العديد من الجوائز من إذاعات ومجلات عربية وعالمية عن أعماله الإبداعية في الشعر والقصة، وقد شهد له أدباء ونقاد عالمين قرأوا أعماله المترجمة فصنفوه بين الكبار في عالم الأدب عامة والرواية خاصة، فجان غولميه يقول رأيه: غوته وستاندال وفلوبير أسماء أعلام في الأدب مشهورة، وعبد السلام العجيلي يستحق أن يشبه بأساتذة فن الرواية الكلاسيكية هؤلاء .
لقب العجيلي بأيقونة الرقة المدينة التي بادلته الوفاء بالوفاء بأن تقيم مهرجاناً سنوياً احتفاء وتخليداً لذكراه.
رحل البدوي من خيمة الحياة في الخامس من نيسان عام 2006 ليبكيه الفرات والصحراء معاً بعدما نال بكل جدارة أوسمة محبة الناس البسطاء ومرضاه الذين عالجهم، وأوسمة التميز والإبداع عن أكثر من أربعين عمل .
بقلم:اسماعيل الخطيب

0 comments:
إرسال تعليق