• اخر الاخبار

    جزيرة أرواد

    جزيرة أرواد

    بحساب المسافات, 4كم تفصلها عن ساحل مدينة طرطوس, أمّا بحساب السنين هي حضارة عمرها حوالي 5000عام أسَّسها الفينيقيون فكانت واحدة من أعرق الحضارات التي عرفها الشرق القديم.
    مساحتها الإجمالية حوالي 25 هكتار والمأهولة حوالي 13هكتار. وهي الجزيرة السورية الوحيدة المأهولة بالسكان. وقلةٌ يعرفون أنّ لها خمس شقيقات منسية تتوزع حولها, وهي (الحبيس, المُشار, النمل, المخروط وأبوعلي).
    حملت عدة تسميات عبر التاريخ منها (أرواد, آراد, أرفاد وأرادوس) وتعني الملجأ، وقد ذُكرت في نصوص فينيقية وآشورية ورسائل تل العمارنة.
    التاريخ: نظراً لما تمتعت به من موقع متميز وأسطول قوي, كانت أرواد على مر التاريخ مطمعاً للقوى المتنافسة على الحوض الشرقي للمتوسط، حيث سعوا إلى أن تكون تحت سيطرتهم أو لصالحهم في حروبهم ونزاعاتهم المختلفة، ورغم ذلك كان لها بعض الاستقلالية عن هذه القوى المسيطرة على اليابسة.
    بدايةً كانت خاضعة لصور وربما دُعيت بقصر صور الملكي, إلى أن استقلت وازدهرت وأنشأت المستعمرات لأغراض دينية ودفاعية والتي سُميّت ببنات أرواد, مثل مارتوس (عمريت), بالانية (بانياس) و غابالا (جبلة) .
    تبعت الدولة الأكادية عام2300 ق.م ثم خضعت لفرعون مصر تحوتمس الثالث في القرن 15 ق.م أثناء حملته الخامسة التي فرض نتيجتها سيطرته على الساحل الفينيقي.
    وعندما ظهر الحثيون في آسيا الصغرى وأخذوا بالتوسع جنوباً, رأت أرواد أنّ من مصلحتها تأييد الحثيين, فحاربت تحت لوائهم ضد المصريين في معركة قادش في القرن 13ق.م، توجت هذه المعركة بمعاهدة, أًلحقت أرواد بموجبها بسوريا الشمالية (الحثيين).
    أما الآشوريون, فقد كسب الأرواديون ودَّهم إمّا بالتودد والهدايا أو الخضوع لهم قسراً لشدة حكامهم، في عام 539ق.م أصبحت أرواد جزءاً من الإمبراطورية الفارسية وأصبح الأسطول الفينيقي 
    عماد البحرية الفارسية وازدهرت أرواد حينها وسُمح لها بممارسة الحكم الذاتي.
    بعد انتصار الاسكندر المقدوني على الفرس في معركة إبسوس عام 333ق.م كان ملك أرواد على رأس أسطوله في خدمة الإغريق كما فعلت بعض المدن الفينيقية الأخرى.
    تبعت أرواد تلقائياً الرومان بعد وقوع سوريا تحت حكمهم عام 64ق.م، لكنها حافظت على الاستقلال نوعاً ما، وعندما انقسمت الإمبراطورية على نفسها إلى غربية (روما) وشرقية (بيزنطة), تبعت أرواد بيزنطة.
    قام معاوية بن أبي سفيان بفتح أرواد عام 676م وشهدت الصراع الدامي بين العرب والصليبيين وتناوب عليها كل من الأيوبيون والمماليك والعثمانيون وأخيراً الفرنسيون.
    المعالم الأثرية:
    تضم أرواد العديد من الآثار التي تجعل منها مقصداً سياحياً مهماً، لكن ما يُؤسف له عدم إمكانية إجراء تنقيبات أثرية واسعة لاستمراية السكن فيها والكثافة العمرانية والسكانية, كما أنّ أجزاءً منها مغمورة بالمياه.
    المرفأ: يقع في الجهة الشرقية مقابل البرج الأيوبي ويقسم إلى قسمين بواسطة لسين صخري يسمى (السنسول), الأول يسمى ميناء الشمالية أو تجويف الحابوس, في مقدمته نصب تذكاري أقامته البحرية الفرنسية.
    بينما القسم الجنوبي يسمى ميناء القبلية وقد اكتشف عند بدايته قاعدة لنصب تذكاري تخليداً لكبير غطاسيّ الجزيرة والقاعدة موجودة في متحف أرواد.
    السور: بمجرد وصولك للجزيرة تواجهك بقايا السور القديم الذي كان يحيط كالمعصم بالجزيرة، كان يرد عنها غضب البحر وغدر أعدائها من البشر، تهدّم جزءٌ كبير منه نتيجة عوامل الطبيعة والغارات التي شُنّت على أرواد.
    وقد اختلفت الآراء حول تأريخه, حيث يقول البعض أنّ إنشاءه يعود إلى العهد المملوكي ووجدت حجارة من العصرين الهلنستي والفارسي بينما ذهب البعض إلى أنه فينيقيّ، لكن ما اتُفق عليه أنه مرّ بمراحل مختلفة.
    القلعة الساحلية (البرج الأيوبي): أول ما يلفت أنظار المتوجه إلى الجزيرة، تقع على الساحل الشرقي منها وتشرف على المرفأ الرئيسي ولها مدخل رئيسي واحد، البناء محصن ببرجين دائريين في الجهة الشرقية ومرامي النبال وفتحات مراقبة في كافة جهاتها، وفوق البوابة غرفتين ذات بناء قببي تميزت به العمارة خلال الفترة الأيوبية.
    القلعة المركزية: تقع وسط الجزيرة أقرب إلى الشمال الغربي في أعلى مكان فيها، ويتم الصعود إليها عن طريق درج جانبي يقود إلى البوابة الرئيسية، ما يزيد بتحصينها أربعة أبراج تتوزع على جدرانها المحاريق والمسننات ومرامي النبال، بنيت القلعة على أنقاض بناء أقدم منها بين نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر ميلادي وحُسِّنت خلال الفترة العثمانية وقد خُصِّص قسم منها كمسجد ومازال حتى الآن.
     وكان للفرنسيين إضافاتهم واستخدموها كمعتقل للمناضلين السوريين الذين قاوموا الفرنسي المحتل ولاتزال بعض جدرانها لسانٌ ناطقٌ يروي قصص معاناتهم وتعذيبهم و بذلك تكون استحقت بجدارة اسم "معقل الأحرار".

    قامت المديرية العامة للآثار بترميمها وأقامت فيها متحفاً أثرياً يُعدّ السجل الذهبي للجزيرة ضم الآثار المكتشفة فيها والمواقع التي لها صلة تاريخية بأرواد. ومما يمكن للزائر أن يجد فيه:
    مجموعة من المرجان بأنواعه.
    آثار زجاجية وفخارية.
    نماذج من المراكب الشراعية  التي بقيت مستعملة حتى وقت قريب.
    أدوات صيد السمك والإسفنج بطرقه العديدة.
    لوحة مجسّمة لسفينة فينيقيا.
    تماثيل وأجزاء من تماثيل وجدت في أرواد ومناطق كانت تابعة لها، وغير ذلك من شواهد تدلُّ على حضارة أرواد.
    المراسي الحجرية: حتى حوالي الخمسينات كانت تستعمل هذه المراسي إلى أن تم استبدالها بالمراسي الحديدية المتشعبة (المخاطيف) في عملية صيد الأسماك، وعند الغوص للوصول إلى القاع بسرعة عند صيد الإسفنج.
    بقايا الحمام الأثري: من الفترة العثمانية وقد تهدَّم مع الزمن بفعل أمواج البحر العاتية.
    وهناك بعض المقابر التي تتوزَّع في أرواد ومن أبرزها المدفن اليوناني الموجود بجانب القلعة في الزاوية الجنوبية الشرقية, وكذلك صهاريج وآبار أهمها بئر الدود واستخدم كسبيل ماء.
    وفي البحر تتبعثر حول الجزيرة القطع الأثرية, عليها ترسبات بحرية بفعل الزمن وبعض الأعمدة الغرانيتية وحطام المراكب.
    السكان الحاليين: هم أحفاد الفينيقيين، جميعهم يعرفون بعضهم ومعظمهم أقارب يعيشون في الحارتين الشمالية والجنوبية، يبلغ عدد أبنائها في السجل المدني حوالي 25000 نسمة لكن سكانها الفعليين حوالي 10000 نسمة،  وذلك بسبب ضيق المكان الذي دفعهم إلى أن يسكنوا ويعملوا خارجها في بيئات مشابهة لبيئتها. 
    لا يرغب معظم سكانها بالوظائف الحكومية لأن رواتبها لا تكفي معيشتهم، كما لا توجد مساحات يمكن استثمارها في عمل آخر يساعد على متطلبات الحياة، إضافة إلى أنَّهم اعتادوا حياة البحر والعمل فيه منذ طفولتهم فهم بحق سادته، وهو يدرُّ عليهم دخلاً أفضل بكثير على الرغم من اعتماده حتى عهد قريب على الوسائل التقليدية، وقد ساهموا في عمليات إنقاذ كثيرة لسفن غرقت بالقرب من سواحلها.
    وإنّ تطور الحياة الاجتماعية الناتج عن تطور قطاع الخدمات من كهرباء وصحة وتعليم واتصالات ودخول المحركات على المراكب والاتصال مع العالم الخارجي وتحديداً بحكم السياحة, دفع سكانها لتحسين ظروف معيشتهم وإدخال وسائل الراحة إليها. 
    وبما أنّ الأرواديين أبناء البحر، فُطروا عليه وارتبطت حياتهم الاقتصادية ومهنهم به, ومن أشهرها:
    صيد الأسماك: من أهم أوجه النشاط البشري يمارسه الناس 

    لكسب عيشهم وكهواية, ويتم بعدة طرق.
    صيد الاسفنج:  وهي حرفة قديمة يجني الغواص منها أرباحاً كبيرة، وله مواسم خاصة وقد دخل التطور مؤخراً إلى وسائلها.
    الملاحة وصناعة المراكب والسفن الخشبية: وهي حرفة ذاع صيت الأرواديين فيها، وهي إما لنقل البضائع والمسافرين والتنزه وإمّا للصيد أو الإنقاذ.
    الصدف: يستخرجونه من البحر ويقومون بتنظيفه وتطبيق زخارف وكتابات عليه يدوياً. إضافة إلى مجسمات صغيرة للمراكب وأدوات الصيد.
     
    أمّا عادات الأرواديين وتقاليدهم, فقد توارثوها عن آبائهم وأجدادهم الذين عاشوا في بيئة محافظة، فالزواج عندهم يكون في سن مبكرة ضمن الخطوات المتعارف عليها، ومن يحمل بشرى الولادة للزوج يناله هدية، ومن الشائع لديهم "الختمة" أي تلقي العلوم الدينية وحفظ القرآن، وأهم ما لديهم التعاون الوثيق لتحصيل المراكب أي إخراجها من البحر وإعادتها إليه وسط التهاليل التشجيعية، ولا يتخلف أحد عن المساعدة في ذلك.
    وأما طعام الأرواديين فيشمل مأكولات في طريقها للإنقراض نتيجة انخراط المرأة في العمل والحياة الاجتماعية الحديثة. ومن مأكولاتهم الشهيرة "القريريطة" وهي برغل وطحينة تؤكل على المراكب لعدم إمكانية الطبخ، وكذلك الأسماك بطرق متنوعة.
    ومما يميز حياة الأرواديين أمثالهم الشعبية المستمدة من حياة البحر التي جبلوا عليها, ومن أشهرها:
    "رحت ياقلوط تعمل سفرة حتى تكيد الرجالة،..رحت قلوط ورجعت قلوط والحمدلله ع السلامة": ويُقال لمن جاب البحر بحثاً عن الرزق وعاد خالي اليدين.
    "الريّس بيجيب البحر من قرونه" ويُضرب دلالة على المهارة والقيادة.
    ومازالت أرواد "لؤلؤة الساحل السوري" تتمنى من المعنيين مزيداً من الاهتمام بما يتناسب مع قيمتها التاريخية والحضارية والسياحية.

    بقلم:هلا زينو
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: جزيرة أرواد Rating: 5 Reviewed By: 0
    إلى الأعلى